الرئيسية الأخبار محاضرات فن سيرة فنان ذاكرة من صور تاريخ فن فريق العمل تسلية البريد الالكتروني: finarts.web@gmail.com  


بحث في الموسيقى وبُعدها الديني


داليا علاء محمد : طبيبة وعازفة كمان و ناشطة
عدد القراءات -1604
2018-07-10
8اضغظ للحصول على الحجم الطبيعي للصورةقيل في الحديث الشريف لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم "ليكونن في امتي اقوام يستحلون الحر (او الخز) والحرير والخمر والمعازف"، اتساءل ما معنى كلمة"المعازف هنا"؟ هل هي آلات الملاهي؟ ام آلات العزف؟ ام الغناء؟ ام أصوات الدفوف؟ وهل المقصود من هذا الحديث تحريم الموسيقى و آلات العزف والطرب بشكل قاطع وعلى اختلافها؟.


نرى في البحوث اختلافا فقهيا قديما على مستوى الأدلة في حكم الموسيقى والغناء بين محلل ومحرم ومتوسط باختيار تفاصيل لصور الغناء.
كما نسال اي موسيقى هي التي تُباح ؟، فالموسيقى الغربية نبتت في احضان حضارة الإغريق عبر التاريخ وتطور الموسيقى فيها يعد مظهرا من مظاهر تطورها الحضاري لذلك لايمكن للإنسان الغربي ان يقف موقفا معاديا للموسيقى، لانها جزء من ضميره و موروثه الثقافي من الكاثوليك والبروتستانت والأرثوذكس الى الملحد والتنويري فهي جزء من حركة الحضارة الأوربية بكل ابعادها.

على عكس ذلك فالموسيقى في الحضارة الاسلامية، تسرب اغلبها من فلسفات اليونان مع بعض بقايا الحضارة الفارسية القديمة حتى هيمنت على العالم الاسلامي حضارة الاخر بكل ثقلها فتبقى مسالة اباحة الموسيقى و حرمتها أعمق وأعقد من الإطار الحضاري المهيمن بالاضافة الى الأدلة الشرعية الجزئية.

بالمقابل وعلى مر العصور نرى استخدام الموسيقى للعبادة في مختلف الأديان مثل الطريقة المولوية التي أسسها الافغاني جلال الدين الرومي عند المتصوفة العرب حيث تتجسد اشكال الموسيقى الصوفية في حلقات من الذكر يجتمع فيها المنشدون والدراويش مناجين و متقربين الى الله مع الرقص الصوفي لكبح شهوات النفس عبر الاستماع الى الله والتدبر و الموسيقى و الدوران حول النفس واتى مفهومها من خلال دوران الكواكب حول الشمس، ويندمج الراقصون في مشاعر روحية ترقى بنفوسهم الى مرتبة الصفاء الروحي فيتخلصون من المشاعر النفسانية ويستغرقون الى الوجود الالهي بالاضافة الى تسامحهم مع أهل الذمة و مع غير المسلمين أيا كان عرقهم و معتقدهم.

كما اشتهر في الطريقة المولوية النغم الموسيقي عن طريق الناي ويعتبر اكثر الاَلات الموسيقية ارتباطا بعازفه ويشبه انينه بأنين الانسان للرجوع الى اصله السماوي فينمو "المريد" في الحب فيتخلى عن أنانيته ليصل الى الكمال ثم يعود من هذه المرحلة الروحية الى عالم الوجود فينمو وينضج بحيث يستطيع ان يحب كل الخليقة، والمريد المولوي يسمى "درويش" وتعني الفقير او الشخص الممتن باقل الحاجات المعيشية ومن هنا ظهرت الطريقة المولوية خاصة ان مولانا جلال الدين الرومي كان قد تتلمذ على يد شمس الدين التبريزي الذي حول مسار مولانا جلال من علم المقال الى علم الحال والخلوة والذكر لاسيما ان الرومي عاش عهد اضطرابات وحروب من المغول حتى الحروب الصليبية وما صاحبها من قتل وتخريب وظهرت عدة فرق ومذاهب مثل المعتزلة فرأى ضرورة دعوة تهدف الى الحفاظ على الاسلام في النفوس والتماسك.

ثم انتشرت المولويه الى حلب و دمشق "جوامع المولويه" ثم ظهرت الطريقة النقشبندية وأبدع الشيخ النابلسي في كثير من الموشحات الدينية مثل الصمدية الشريفة التي تفصل مابين الاذان الاول والثاني في صلاة الجمعة وهو واضع التسابيح والتراحيم التي تسبق اذان الفجر..ثم ظهر المولويون في مصر وكان تجمعهم في التكية المولوية او "تكية الدراويش" في القاهرة وكان الهدف الاول للتكية هو إيواء وإطعام الدراويش المنقطعين للعبادة و الفقراء وتتألف من عدة اجنحة منها المسجد والأضرحة والمدرسة المخصصة لتعليم الاولاد القران والخط، وكان معظم المنشدون المولويون في مصر ينشدون الموشحات الدينية في حدود مقامات الصبا والبيات دون مصاحبة الة والبعض منهم بمصاحبة الكمان والناي.

كما عرفت الموسيقى لدى العثمانيين ايضا باسم "الفن الالهي" فيشير الى عدة انواع من الأداء مثل "الشغول" وكان عبارة عن ترانيم في شهر رمضان ومحرم وذي الحجة كما ظهر نوع غناءي يقوم به الماذون بعد صلاة التراويح في رمضان يسمى "المناجاة" حيث يصعد المؤذن على المنبر ويبدا في إنشاد مدائحه واستغفاراته، ثم انتشرت الطريقة النقشبندية الى مصر عن طريق الشيخ سيد النقشبندي وتعاون في بعض أناشيده مع كبار الملحنين مثل بليغ حمدي و محمد الموجي و ربما كان النقشبندي اول من غنى من المتصوفين بمصاحبة الة القانون كما كان لموسيقى النقشبندية صدى خارج الوطن العربي ففي ألمانيا غنى الشيخ حسن دايك بنكهة غربية ممسكا بالة التشيلو (Cello) بمصاحبة فرقة حيث يرى هذا الشيخ ان الموسيقى منبعها القلب قبل الآلة وأنها وسيلة الى الله ونشر المحبة فالتفوه بالحرف لايعني صدقه بل نطقه من القلب هو ما يجعله صادقا وهذا ما يميز الشيخ وقافلته "قافلة المحبة" و مركز تواجده في قرية المانية اغلب من بها يعتنقون الاسلام فالموسيقى بعد صلاة العشاء طقس يومي من طقوسهم بل وسيلة للتواصل مع البشر بكافة جنسياتهم واديانهم فالشيخ حسن ومعظم اتباعه لم يرثوا الاسلام بل هم من خلفيات دينية مختلفة سلكوا الطريق بحثا واستقروا على الاسلام بمنهجية صوفية وأصبح مكانهم قبلة لمن ينشد الهدوء والسلام الروحي.

وعبر الزمن نرى استخدام الموسيقى في الديانة المسيحية ايضا منذ القرن الرابع قام اباء الكنيسة بتاسيس نظام للطقوس الدينية المؤلفة من الأناشيد وفي بدايات المسيحية استعملوا نفس موسيقى اليهود اذ كانوا يرتلون في طقوسهم المزامير بنفس الألحان القديمة المستعملة عند اليهود بأسلوب يدعى التنغيم البسيط كما قام المسيحيون بتأليف تراتيل جديدة سُميت "المزامير الخاصة" مثل "يا نورا" التي تقال في صلاة الغروب حتى اليوم وكذلك المجدلة "المجد لك يا مظهر النور" كما ظهرت بعض الخلافات العقاءدية بين المسيحيين حول طبيعة المسيح وقد عمد القداس افرام السرياني الذي كان شاعرا الى مجابهة ماكان بالنسبة له "هرطقات" بتأليف التراتيل وتلحينها وتعليمها ولهذه الغاية ظهرت الحاجة لوضع نظام الموسيقى الكنسية وعمد الى الأخذ عن الموسيقى الفارسية المبنية على اثني عشر لحنا "مقاما" وهي ماخوذة بدورها عن موسيقى بلاد مابين النهرين.

كما في القرن السادس اول من وضع نظام موسيقي مبني على ثمانية الحان هو سويرس السرياني اسقف انطاكيا وهذا التصنيف الثماني الالحان كان أساس الموسيقى الكنيسة السريانية والبيزنطية وكذلك أساس الموسيقى الغربية اذ ان البابا الذي وضع نظام ترنيم الكنيسة اللاتينية اخذ هذا النظام عن الشرق ويعتقد ان جهاز الاورغ الموسيقي ظهر في الكنائس خلال الفترة البابوية في القرن السابع، عندما تم تنصر بلاد الروس في القرن العاشر اخذوا بنظام الترتيل المعمول به في الشرق وسرعان ما طوروه وانشاوا تبعا لذوقهم الخاص ثم تبنوا النظام الموسيقي الغربي المبني على تعدد الاصوات الهارمونية، اما القرن الخامس عشر والذي عرف بمرحلة الفن الحديث وصلت العلامات الموسيقية الى درجة كبيرة من التقدم كما وصلت الموسيقى ذات الانغام المتعددة الى درجة كبيرة من التعقيد وفي اواخر القرن ظهرت المدرسة البرجندية وهي مدرسة موسيقية مسيحية راقية يرجع لها الفضل في ازدهار الموسيقى الغربية، ان اللحن بصوت منفرد كان المبدأ الاول ثم جاء تعدد الأصوات التي تتفاوت ألحانها داخل بهو الكنيسة المفعم بالروح الدينية حيث تنفرد الحناجر البشرية بدون آلات موسيقية وقد أعطت البروتستانتية دفعة كبرى باتجاه حرية الموسيقى من الانتفاع من الموسيقى الدنيوية والهارموني والتقنيات الاخرى لكن في ظل البابوية الكاثوليكية رأى البابا ضرورة إيجاد حصن منيع في موجات التجديد البروتستانتية التي ذهبت في مداها بعيدا، للدفاع عن الموسيقى وإبقاءها داخل حرم الكنيسة.

ثم جاء مارتن لوثر مع الإصلاح البروتستانتي وترك إرثا من الترانيم التي جاء بعضها تلحينا لمقاطع من الكتاب المقدس بحيث تجمع حول ترانيمه رجال الدين وغيرهم ونساء واطفال حيث انتشرت ترانيمه في العبادات والمدارس والساحات وكانت معظم هذه الترانيم مرتبطة بمواقف معينة من حياته كمناظرته مع الكنيسة الرومانية كما قدم ترنيمته العقاءدية التي تشرح وجهة نظره للمعتقدات المسيحية بعنوان "نحن جميعا نؤمن باله واحد حقيقي" وهي من ثلاث مقاطع تشرح إيمان الرسل وتشكل احد اساسات التعليم المسيحي كما باتت تعتبر من اشهر الترانيم اللاهوتية في القرن الثامن عشر.

ثم ظهرت موجة جديدة هي الموسيقى الرومانسية خلال القرن التاسع عشر ويمثل بيتهوفن أوج المرحلة الكلاسيكية وبداية المرحلة الرومانسية في الموسيقى.

برغم كل ماذكر من هذه الأحداث عبر الازمنة المختلفة نجد من العلماء من قال ان الآيات القرانية والاحاديث النبوية دلت على ذم الاَلات كما قال بعضهم انها من أسباب الضلال واستدلوا بهذه الآية القرانية في كثير من فتواهم (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا) فسر بعض العلماء "لهو الحديث" بالأغاني و آلات الطرب كما استدلوا بأية اخرى (استفزز من استطعت منهم بصوتك واجلب عليهم بخيلك و رجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان الا غرورا) حيث قال ابن القيم ان اضافة الخيل والرجل هو كل متكلم بغير طاعة و مصوت بمزمار او طبل او دف فذلك صوت الشيطان!!!.

على الصعيد الاخر كثير من المفكرين الذين احلوا الموسيقى هم مفكرون تشبعوا بالحضارة الغربية في فلسفتها ومنهجها بحكم تحيزاتهم الحضارية و تكوينهم الثقافي لايعنيهم الدليل الشرعي للمسألة ويطرحون نظرية مشبعة بمفاهيم الجمال والفن في ضوء الفلسفة الغربية.

اما من حرم العزف والغناء فمنهم من يقف موقفا معاديا من قيم الفن والجمال نفسها، حيث يشعرون انها وراء اباحة ما حرمه الله فيجعل الشرع الاسلامي في موقف معاد للجمال والفن وهي مواقف خاطئة حيث لا يوجد شك بإيمان الاسلام بالجمال وقدرة الخلق على الفن والابداع، لهذا اجمع اغلب من روى هذا الحديث النبوي الشريف ان الوعيد ليس على المعازف كدقة الامام البخاري فقد استشهد بهذا الحديث في باب من يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه و لم يذكره أبدا في باب المعازف لان الشيء الذي اتفق عليه كل رواة الحديث هو إنزال الوعيد على من استحل شرب الخمر بتسميتها بغير اسمها فليس من المعقول ان يهمل البخاري اعادة الحديث في باب اخر يخص المعازف او يقوم بتقطيع الحديث حيث لا يوجد حديث اخر في هذا الباب وهو من أبواب الحلال والحرام. قال ابو بكر العربي : لم يصح في التحريم شيء. وقال ألن حزم: لا يصح في هذا الباب شيء أبدا وكل مافيه موضوع. و " ان كل حديث صريح جاء في تحريم المعازف فهو موضوع" ، كما هو الحال في احدى النقاشات التي طرحت في العهد العثماني في القرن السابع عشر عن الرقص الصوفي "السماع" وقضية الموسيقى وقد ساهم اسماعيل الانقروي في هذا النقاش عن الحكم الشرعي للسماع و الموسيقى فقهياحيث قسم منكري السماع الى ثلاثة أقسام :
الاول :منكرو السماع الذين لايعرفون سنة النبي محمد صلى الله عليه واله وسلم وهو عن اخباره غافلون لذلك استحبوا الإنكار على القبول .
الثاني : لو فرضنا ان منكري السماع قد علموا السنة من جهة فان علمهم كان سطحيا من نوع علم الفقهاء و علماء الرسوم "الظاهر " واكتفوا باقتفاء اثار هؤلاء العلماء وتقليدهم لهذا فهم عن ادراك الأحوال والأخبار النبوية لمعزولون وعن فهم استنباطات الاولياء من السنة بعيدون.
الثالث : منكرو السماع هم قوم افءدتهم هواء لا يكادون يفقهون حديثاً ولا يشعرون بالاذواق الروحانية ولم يبق فيهم اي اثر عن طبيعة المحبة والمودة ولم تطاوعهم أنفسهم باتباع الاولياء لذلك ارواحهم لم تشعر بلذة السماع لهذا نرى الانقروي عندما يركز على ان السماع والموسيقى غير محرمة من الناحية الفقهية و يدعي من جهة اخرى ان منكري السماع لا يعلمون النصوص وحتى الذين يعلمونها معلولون بالبعد عن الذوق والعلم والعشق الصوفي .

المصادر :
-قواعد العشق الاربعون
-الموسيقى الكنسية والترانيم
-الموسيقى البيزنطية المقدسة
-الموسيقى القبطية
-Ecclesiastical music
-Watson Anotated Anthology of Hymns Oxford University press 2003, pages 10 , 11, 19

-المولوية بعد جلال الدين الرومي القاهرة ٢٠٠٣ المجلس الأعلى للثقافة.

-جلال الدين الرومي بين الصوفية وعلماء الكلام ١٩٨٧

-العقود اللؤلؤية في طريق السادة المولوية دمشق ١٩٣٢

-أطروحة لنيل الإجازة في النقد والأدب المسرحي المعهد العالي الفنون المسرحية ١٩٩٠ قسم النقد والأدب المسرحي إشراف د.ماري الياس.

-كتاب الأحكام ابو بكر العربي
-كتاب حجة السماع اسماعيل الانقروي

قَسَـم الهوراتيين (Oath of the Horatii) » قَسَـم الهوراتيين (Oath of the Horatii)

كيف استخدمت التكنلوجيا في فيلم جومانجي (فيديو) » كيف استخدمت التكنلوجيا في فيلم جومانجي (فيديو)

درس عملي رسم طبيعة صامته باستخدام قلم الفحم (فيديو) » درس عملي رسم طبيعة صامته باستخدام قلم الفحم (فيديو)

لمحة في تاريخ الفن القديم » لمحة في تاريخ الفن القديم

كتاب.. المنظور المعماري "الدروس العملية".. (pdf) » كتاب.. المنظور المعماري "الدروس العملية".. (pdf)

ثورة العمال وحقوقهم في مصر القديمة » ثورة العمال وحقوقهم في مصر القديمة

الزواج وحقوق المرأة في مصر القديمة » الزواج وحقوق المرأة في مصر القديمة

اسطورة إيتانا البابلية (النسر والحية) » اسطورة إيتانا البابلية (النسر والحية)

بحث في الموسيقى وبُعدها الديني » بحث في الموسيقى وبُعدها الديني

صفات الأصوات البشرية وطبقاتها الصوتية » صفات الأصوات البشرية وطبقاتها الصوتية

مقارنة بين الموسيقى والفنون التشكيلية، ثم الموسيقى والشعر » مقارنة بين الموسيقى والفنون التشكيلية، ثم الموسيقى والشعر

الكندي وآلة العود..
البعد الثلاثي لآلة الحكماء عند الكندي » الكندي وآلة العود.. البعد الثلاثي لآلة الحكماء عند الكندي

   
موقع الفنون الجميلة - 2009 - 2018

finarts.web@gmail.com