الرئيســــية الكــادر لماذا نحن؟ اتصل بنا البريد الالكتروني
التأريخ : 2017 - 11 - 22
 

مهند التميمي

حيدر عاشور

هادي عباس حسين

خلودالشريف

بان سلمان شكر













مقدمة قناة البغدادية "شيماء عماد" أنهت عمليتها الجراحية
مقدمة قناة البغدادية "شيماء عماد" أنهت عمليتها الجراحية


الفنان جلال كامل يعاني من جروح والفنانة سناء عبد الرحمن تستنكر عمليات التفجير
الفنان جلال كامل يعاني من جروح والفنانة سناء عبد الرحمن تستنكر عمليات التفجير


الفنانتان سليمة وأمل خضير تمران بأيام صعبة
الفنانتان سليمة وأمل خضير تمران بأيام صعبة


قناة البغدادية تنقل كادرها من دمشق وتهمل حقوق موظفيها علي الوردي تحت رحمة القناة والمخرج حسن حسني يشكل خط احمر
قناة البغدادية تنقل كادرها من دمشق وتهمل حقوق موظفيها
علي الوردي تحت رحمة القناة والمخرج حسن حسني يشكل خط احمر


تأسيس معهد الفنون الجميلة في بغداد
تأسيس معهد الفنون الجميلة في بغداد



حفل فرقة المسرح الفني الحديث على شرف الفنان كرم مطاوع حفل فرقة المسرح الفني الحديث على شرف الفنان كرم مطاوع


الراحل عبدالصاحب نعمة الراحل عبدالصاحب نعمة


مسرحية المفتاح 1968 مسرحية المفتاح 1968


مسرحية "في إنتظار كودو" 1967 مسرحية "في إنتظار كودو" 1967


أثناء التمرين على مسرحية حكاية الرجل الذي صار كلبا أثناء التمرين على مسرحية حكاية الرجل الذي صار كلبا


مقارنة بين الموسيقى والفنون التشكيلية، ثم الموسيقى والشعر


الكاتب:هيغل

عدد القراءات -3076

اضغظ للحصول على الحجم الطبيعي للصورةللقيام بهذه المقارنة، لابد ان نأخذ بوجهة نظر مثلثة.
فأولاً، ورغم مابين الموسيقى والعمارة من نعارض، فان بينهما ايضاً صلة قربى.
فكما ان المضمون في العمارة ينبغي ان يعبر عن نفسه من خلال أشكال معمارية، بدلا ان يذوب وينصهر بأسره في الشكل، كما الحال في النحت والرسم – لذا يبقى متميزا عن تلك الأشكال بوصفه محيطاً خارجياً – كذلك فان التطابق الكلاسيكي بين الداخل وشكله الخارجي ينفصم في الموسيقى باعتبارها فناً رومانسياً، لكن انفصامه هذا لا تمليه في الحقيقة الأسباب نفسها التي تحتم ضرورته في العمارة التي ما كان لها، بوصفها تمثيلاً رمزياً، ان تفلح في تحقيق ذلك التطابق.

ان الداخلية الروحية تنبثق في العمارة والنحت عن تركيز النفس على حدوس وتمثلات معينة، وتتلبس الأشكال التي يضفيها عليها الخيال، بينما الموسيقى غير قادرة بالأحرى على التعبير إلا على الشعور والعاطفة، وهي تحيط التعبير عن تمثلات الروح بأصوات العاطفة والشعور اللحنية، مثلما تحيط العمارة في مضمارها، وان بطريقة أكثر تصلبا ويباساً، تمثال أللإله بنطاق عقلاني من الأعمدة والجدران والركائز.

هكذا يغدو الصوت وتشكيله عنصراً صنع من قبل الفن والتعبير الفني المحض، وهذا على نحو مغاير تماماً للكيفية التي يعالج بها الرسم والنحت الجسم البشري وأوضاعه وهيئته. ومن هذه الزاوية أيضاً نستطيع ان نقارن الموسيقى بالعمارة التي تستعير أشكالها لا مما هو موجود، بل من الخيال الخلاق، ثم تخضعها بعد ذلك لقوانين الثقالة من جهة أولى، ولقواعد التناظر والتساوق من جهة ثانية.

وهذا ما تفعله ايضاً الموسيقى، إذ تتقيد من جهة أولى، وبصرف النظر عن التعبير، بقوانين تناغم الأصوات بالارتكاز إلى علاقات ونسب كمية، كما تتقيد من جهة ثانية، من خلال ترداد الأوزان والإيقاع، وكذلك من خلال توزيع الأصوات بقواعد التناظر والتساوق. وهكذا تتبدى الموسيقى على انها المضمار الذي تتظاهر فيه داخلة النفس الأعمق غوراً وملكة الفهم الأكثر صرامة في آن معاً، وبذا تجمع بين جنباتها ضدين يمكن لأي منهما ان يتميز بسهولة عن الآخر وان ينعتق منه. وبفعل هذا الانعتاق تتلبس الموسيقى طابعاً معمارياً، وذلك متى ما ابتنت لنفسها، بصرف النظر عن التعبير عن العواطف، بناءا موسيقياً، وشيدت بنياناً من الأصوات طبقا لقواعد التناظر والتساوق وحدها.

غير ان الموسيقى، رغم هذه التشابهات كلها، تعمل في مضمار العمارة. صحيح ان الفنين كليهما يقومان على أساس علاقات ونسب كمية، أو بالأحرى وزنية، لكن المواد التي يصوغانها وفق هذه العلاقات والنسب هي من طبيعة متعارضة كل التعارض. ففيما تستخدم العمارة المادة الحسية الثقيلة في تماسكها الهادئ وشكلها المكاني الخارجي، تعتق الموسيقى من اسر المادة المكانية النفس ذات الإرنان وتترك لها ان تتفتح بحرية من خلال تمايزات كمية من حيث الصوتية والديمومة.

لذا تنتمي آثار هذين الفنين إلى دائرتين مختلفتين كل الاختلاف:
فالعمارة تشيد أبنيتها الضخمة، ذات الأشكال الرمزية والمعمرة، برسم الإدراك الخارجي، بينما يدلف عالم الأصوات السريع الزوال داخل النفس عن طريق الإذن ويوقظ فيها مشاعر التعاطف.

اما فيما يتعلق بالعلاقات الأخرى بين الموسيقى والفنين التشكيليين اللذين تقدم الكلام عنهما، فان التشابهات والاختلافات التي يمكن تمييزها تنبع جزئياً مما أسلفنا قوله.

ان الفن الذي تمتاز عنه الموسيقى اشد التمايز هو النحت، وذلك سواء من منظور المادة ونمط تمثيلها ام من منظور العلاقات بين الداخل والخارج المتحدين اتحاداً لا فصام فيه في النحت.
وبالمقابل، فإن الموسيقى اقرب في الصلة والنسب إلى الرسم،وهذا ان بفعل الدرجة الكبرى من داخلية التعبير، وان من زاوية معالجة المواد، وهي المعالجة التي ينزع بها الرسم ، كما رأينا، إلى التعدي على مضمار الموسيقى. غي انه توجد بين الرسم والنحت سمة مشتركة، وهي تمثيل هيئة موضوعية خارجية، على اعتبار ان الرسم مثله مثل النحت، مغلول إلى شكل واقعي، له من الأساس وجوده خارج الفن. صحيح انه لا الرسام ولا النحات يريان الوجه الإنساني، أو وضعية الجسم، أو خطوط السلسلة الجبلية، أو أغصان الشجرة وأوراقها، كما تعرض نفسها للإدراك المباشر، لكن المهمة التي يضعانها نصب أعينهما هي ان يتمثلا ما يلتقيانه أمامهما وان يجعلاه متلائماً مع وضع بعينه، وكذلك مع التعبير الذي ينبع بالضرورة من المضمون. وعليه، نجد هنا، من جهة أولى، مضموناً جاهز ينتظر تفريده فنياً، ومن الجهة الثانية أشكالاً طبيعية مسبقة الوجود وناجزة هي الأخرى، بحيث انه اذا ما شاء الرسام – وتلك هي رسالته – ان يصهر معاً هذا المضمون وهذه الأشكال، فلا بد له ان يجد في كل منهما مرتكزات لتصميمه ولتنفيذ تصميمه. وانطلاقاً من هذه التعيينات الثابتة الراسخة عليه، ومن جهة أولى، ان يضفي طابعاً عينياً على الجانب العام من التمثل، ومن الجهة الثانية ان يعمم ويروحن (Spiritualiser) الهيئة الإنسانية أو سائر الأشكال الطبيعية التي يمكن ان يقوم له، في فرادتها، مقام النماذج. ام الموسيقار فانه، وان كان لا يضرب صفحاً عن كل مضمون، يجد هذا المضمون في النص الذي مهمته ان يموسقه، أو إذا ما شط إلى ابعد من ذلك في استقلاله اتخذ من وضع أو من حالة نفسية بعينها ثيمة يبني عليها عمله الموسيقي. على ان قوام تآليفه يبقى في الأحول جميعاً متآلفاً من الداخلية الشكلية، من الصوتية الخالصة، وتعميقه للمضمون لا يتترجم بتظهير خارجي، بل بعودة إلى الحرية الداخلية، إلى انطواء على الذات، وفي بعض فروع الموسيقى، بوثوقه بأنه، كفنان، مستقل عن المضمون، إذن، فان يكن جوهر النشاط في مضمار الجمال هو عتق النفس وتحريرها من كل اضطهاد وتحديد، على اعتبار ان الفن يملك، بما هو كذلك، المقدرة على تلطيف أوحش المصائر وأكثر الأقدار مأساوية، بل على ان يجعل منها، بالتمثيل النظري، موضوعاً لمتعة، فان ذلك يسري في المقام الأول على الموسيقى حيث تدرك تدرك هذه الحرية على درجاتها. وما تحصل عليه الفنون التشكيلية عن طريق الجمال الموضوعي الذي يبرز للعيان الإنسان بجماعه، الطبيعة الإنسانية كما هي، الكوني والمثالي في خصوصيتهما الفردية، وهذا من دون ان يعكر تناغمهما بحال من الأحوال، تحصل عليه الموسيقى بوسائل أخرى. فالفنان التشكيلي ما عليه الا ان يظهر للخارج ما هو مسبق التكوين في تمثله، بحيث يغدو كل تفصيل، فو وضوحه الجوهري، بياناً أكثر تقدماً للكلية التي يتعقلها الروح من خلال المضمون المطلوب تمثيله .
فالشخص مثلاُ في حال تمثيله في عمل فني تشكيلي، يقتضي ان يكون له في هذا الوضع أو ذاك؛ كما يقتضي ان تكو له وقفة معينة بجوار غيره من الشخوص، ليؤلف وإياها كلية لها مبررها في ذاتها. وما تحقيق الثيمة الا تحليل أكثر تعمقاً لما تحتويه أصلاً؛ وكلما كانت الصورة التي تنجم عن ذلك اقرب إلى الكمال، كانت الوحدة أكثر تركزاً، وترابط الأجزاء أكثر تلاحماً. وأكمل تعبير في العمل الفني الحقيقي عن الفردي إنما يعادل تحقيق أكمل وحدة ممكنة. والحال ان العمل الموسيقي لابد ان يتسم هو الآخر بقدر من التلاحم وان يؤلف كلية يحتاج كل حزء من أجزائها إلى جميع الأجزاء الأخرى ويكون ضرورياً لسائر الأجزاء الأخرى؛ لكن هنا يتم التحقيق على نحو مغاير تماماً، وتكون الوحدة المشار إليها محدودة أكثر بكثير.

ان الدلالة التي يفترض بالثيمة الموسيقية ان تعبر عنها تكون مستهلكة سلفاً؛ فان بسطت هذه الثيمة وطُورت بحيث تتولد عنها تعارضات وتوسطات جديدة، فان هذه التكرارات وهذه الاستطرادات وهذا الإقحام لنغميات (tonalites) أخرى يمكن ان تبدو بسهولة لملكة الفهم فائضة عن الحاجة، على اعتبار ان كل ذلك يدخل في عداد التشكيل الموسيقي الخالص والمماثلة مع شتى الفوارق النغمية، علماً بأن ذلك التشكيل وهذه المماثلة ليسا مما يقتضيه المضمون وليس لهما فيه من مرتكز دائم، بينما يعني تحقيق التفاصيل في الفنون التشكيلية تظهيراً للخراج اقرب فأقرب إلى الكمال تحليلاً أكثر فأكثر حيوية للمضمون. غير انه لا مرية في ان الثيمة تولد طرداً مع تظهيرها ثيمة أخرى، وذلك حتى في العمل الموسيقي، فإذا بالثيمتان تتعاقبان وتترابطان وتتدافعان وتتغيران، فتارة تختفيان، وطورا تعومان، ويبدو كأن واحدتهما تغلب الأخرى ثم لا تلبث ان تغلب بدورها؛ وبفضل هذه التعقيدات والتقلبات يتوصل المضمون إلى الإفصاح عن نفسه بكل وضوح علاقاته وتعارضاته ومنازعاته وتدرجاته وتناقضاته وحلولها. لكن التشكيل الموسيقي لا يؤدي حتى في هذه الحال إلى وحدة أكثر عمقاً وتركيزاً، كما في النحت، بل يفضي في بالأحرى إلى توسيع، إلى تكبير، إلى تفكيك، مع ما يواكب ذلك الزمن انحرافات وارتدادات يظل المضمون المطلوب التعبير عنه مركزها، ولكن من دون ان يتسم مجمل التشكيل بذلك التلاحم المميز لمنتجات الفنون التشكيلية، وعلى الأخص عندما تحصر هذه الفنون مهمتها بتصوير الجسم البشري.

ان الموسيقى في هذه المنظور، وبخلاف الفنون الأخرى، قريبة غاية القرب إلى الحرية الشكلية الداخلية بحيث يتعذر الا تتجاوز بقدر أو بآخر الموجود أو المضمون. والذكرى التي يحتفظ بها الفنان عن الثيمة التي اعتمدها هي، لهذا الفنان، أشبه بتذكر، بمعنى ان يعي ان الفنان إنما هو نفسه، وانه يستطيع ان يعمل ويتصرف وفق هواه، وان يتجه حيثما يشاء. بيد ان تداعي الخيال الحر يختلف اختلافاً بيّناً من هذا المنظور عن القطعة الموسيقية المكتملة، المتلاحمة، المفترض بها ان تشكل كلية متسقة، فالحرية في تداعي الخيال الحر، هي الهدف المنشود، وبفضلها يتأتى للفنان ان يظهر انه يملك، فيما يملك من مواهب، المقدرة على تضمين نتاجه المؤقت أنغاماً ومقاطع معروفة متى ما شاء، فيكشف عن مظهر جديد لها، ويكسوها بتلاوين متنوعة، ويعتمد منطلقاً إلى أنغام أخرى، بما في الشديد التنافر منها.

بيد ان القطعة الموسيقية تتضمن بالإجمال حرية الاختيار إما بين أداء دقيق ومحكم وتقيد بما يمكن ان نسميه وحدتها التشكيلية، واما بين استطرادات تطور أو تقصر انطلاقا من كل نقطة بعينها، وباستلهام ارداة الذاتية الحية؛ حرية الانتقال من نقطة إلى أخرى، والمتابعة أو التوقف بسب هوى النفس الآني، ولجم هذه النغمة وتلك لإطلاقها من ثم من جديد في التيار الصاخب. وعليه، ان يكن من الواجب نصح الرسام أو النحات بدراسة الطبيعة، فلسنا بمستطيعين إسداء النصيحة نفسها إلى الموسيقار، لان الموسيقى لا تعرف أشكالاً موجودة خارج نطاقها، في مقدورها الاعتماد عليها. بل الأشكال التي منها تنبع قواعدها وقوانينها وضروراتها تتألف من أصوات لا تقيم في المضمون المتضمن في علاقة وثيقة جداً، وتترك على العكس للحرية الذاتية حقلاً أوسع وأرحب بكثير من منظور أدائها وعزفها.

تلكم هي الفروق الرئيسة التي تميز الفنون الموسيقى عن الفنون التشكيلية، الأكثر اتساماُ منها بالموضوعية.

اما الشعر فبينه وبين الموسيقى آصرة قربى وثيقة، على اعتبار إنهما كليهما يستخدمان وسيلة حسية واحدة، وهي الصوت. لكن الفنين يختلفان عميق الاختلاف واحدهما عن الأخر من حيث طريقة التعامل مع الأصوات ونمط التعبير.
ان الأصوات في الشعر، وكما أسلفنا القول في معرض كلامنا عن التفريغ العام للفنون، لا تصدر عن آلات شتى اخترعها الفن، إنما تتحول الأصوات المنطوق بها، والصدارة عن عضو النطق البشري، إلى محض علامات لفضية، قيمتها الوحيدة تكمن في ان تكون تسميات، عديمة الدلالة بحد ذاتها، لتمثلات وتصورات. وبفضل ذلك يبقى الصوت كياناً حسياً مستقلاُ يمتلك، من حيث هو محض إشارة إلى عواطف وتمثلات وأفكار، وبحكم من انه لا يؤلف سوى هذه الاشارة، خارجي موضوعية محايثتين. ذلك ام الموضوعية الحقيقية للداخلي، من حيث هو داخلي، تكمن لا في الأصوات والألفاظ، وانما في وعي لفكرة من الأفكار، لعاطفة من العواطف، ولغيرها من التمثلات التي أحولها على هذا النحو إلى مواضيع يسعني تمثلها أو يسعني بسطها لأبرز ما هو متضمن فيها، ولأعرض الترابط الخارجي والداخلي لمضمون أفكاري، وكذلك العلاقات القائمة بين تعييناتها الخاصة، الخ. ولا جدال في إننا نفكر على الدوام بواسطة الكلمات، لكن من دون ان نستخدم على الدوام اللغة المنطوقة. وبحكم هذه الأهمية الثانوية تماماً لأصوات اللغة بوصفها مضموناً حسياً للتمثلات والأفكار، الخ، التي نريد إيصاله، يستعيد الصوت استقلاله. صحيح ان اللون في الرسم من حيث هو لون، ليس له بحد ذاته ولا لتركيبه أي مدلول؛ فهو محض عنصر حسي، مستقل كل الاستقلال عن الروحي، لكن اللون بحد ذاته ليس هو الرسم بعد؛ بل لابد من ان يقترن أيضاً بالشكل وتعبيره. وتقوم بين هذا الشكل الذي يحييه الروح وبين التلوين علاقات أوثق بكثير من تلك التي تقوم بين أصوات اللغة المجموعة في ألفاظ وكلمات وبين التمثلات التي يراد التعبير بها عنها. والفرق بين الاستخدام الموسيقي والاستخدام الشعر للأصوات يكمن في ان الموسيقى، لابد ان تستخدم الصوت لتأليف كلمات، تتخذ من الصوت نفسه عنصرها بحيث يشكل، من حيث صوت، غاية في ذاتها. وبنتيجة ذلك، تتمتع الأصوات، بحكم انها لا تعود تُستخدم كمحض وسيلة للإشارة والتسمية بحرية تتيح إمكانية إدخالها في تآليف فنية لا هدف لها ولا غرض غير ان تبرز محاسن شكلها. وفي أيامنا نحن بوجه خاص انفصلت الموسيقى عن المضمون الواضح البين بحد ذاته وارتدت إلى عنصرها الذاتي ان جاز القول، مما افقدها على كل حال شطراً واسعاً من سلطانها على الداخلية، وذلك مادامت المتعة التي يمكن ان تتأتى عنها متعة جزئية فحسب، يكمن مصدرها في الجانب الموسيقي والتقني المحض من المعزوفة، هو الجانب لا يمكن لغير الجهابذة تقديره وتثمينه، ولا يثير الا بقدر محدود الاهتمام الفني لإعداد الغفيرة من الناس.
لكن ما يخسره الشعر على صعيد الموضوعية الخارجية، حينما ينحي جانباً عنصره الحسي (وهذا بقدر ما يمكن للفن ان يقوم بهذه النتيجة فعلاً)، يسترده على صعيد الموضوعية الداخلية للحدوس والتمثلات التي تقدمها اللغة الشعرية للوعي الروحي.
ذلك ان هذه الحدوس، وهذه العواطف والمشاعر، وهذه الأفكار، تقع على عاتق الخيال مهمة تحويلها إلى عالم ناجز من أحداث وأعمال وحالات نفسية وانفجارات للهواء، وبالتالي مهمة انتاج آثار فنية قمينة، سواء أبشكلها الخارجي ام بمضمونها الداخلي، بان تمثل لنا الواقع بتمامه. والحال ان الموسيقى، بقدر ما تريد الحفاظ على استقلالها والبقاء ضمن نطاق مضمارها، لا خيار لها الا في ان تعزف عن مثل هذه الموضوعية. فصحيح ان الأصوات، كما تقدم بي القول، تخاطب نفسنا وتتطابق مع خلجاتها، لكن الأمر كله لا يعدو ان يكون ضرباً من التعاطف المبهم، حتى وان كان العمل الموسيقي، النابع من النفس بالذات والثر بالعواطف المفصح عنها، يمتلك المقدرة على التأثير، عميق التأثير، في نفوس من يسترقون السمع إليه. وبصورة عامة تنتقل عواطفنا بسهولة، على كل حال، من الداخلية المبهمة المحتواة في مضمون ما ومن التماهي الذاتي مع هذا المضمون، إلى رؤية أكثر عيانية لهذا الأخير وإلى موقف أكثر موضوعية إزاءه. وكذلك قد يكون أيضاً شأن الأعمال الموسيقية عندما تتحول العواطف والمشاعر التي توقظها فينا بطبيعتها وحيويتها الفنيتين إلى حدوس وتمثلات أكثر تحديداً بالنسبة ألينا، حدوس وتمثلات تفرض نفسها على وعينا بوضوح وجلاء ما كانت تتسم بهما الانطباعات السابقة. لكن هذه الحدوس والتمثلات أن هي إلا حدوسنا وتمثلاتنا نحن؛ ولئن أسهم العمل الموسيقي بكل تأكيد في استحضارها، فانه لم ينتجها مباشرة عن طريق المعالجة الموسيقية الخالصة للأصوات. اما الشعر فانه يعبر بالمقابل بنفسه، ومباشرة، عن العواطف والتمثلات والحدوس، بل يمتلك المقدرة على ان يقدم لنا صور الأشياء والمواضيع الخارجية، وان يكن عاجز عن بلوغ تشكيلية النحتاو داخلية الموسيقى، مما يضطره إلى الاستنجاد، كيما يتمم ما يقدنه لنا، بحدسنا الحسي وبلغة نفسنا الداخلية المحضة.

غير ان الموسيقى لا تكتفي بهذا الاستقلال عن الشعر وعن المضمون الروحي، بل كثيراً ما تقترن، ولعله يجو لنا ان نقول في غالب الأحوال، بمضمون ناجز يقدمه لها الشعر ويتألف من تتابع من العواطف والمشاعر والتأملات والأحداث والأفعال. لكن عندما يراد إبراز الجانب الموسيقي الصرف من مثل هذا العمل الفني وتسليط الأضواء عليه، لا يجوز ان يشغل فيه الشعر، أغنائياً كان ام تمثيلياً، ألخ، مكان اكبر مما ينبغي. وعلى كل حال، فان غلبة الشعر على الموسيقى أو الموسيقى على الشعر في الأعمال الجامعة بينهما من شأنها، بصفة عامة، ان تلحق الأذى بالفنين كليهما. فحين ينطوي النص بحد ذاته، من حيث هو عمل فني شعري، على قيمة مستقلة، لا يسعه ان ينتظر من الموسيقى الا مساندة طفيفة جداً، كما هو الحال في جوقات المأساة القديمة العهد حيث ما كانت الموسيقى تؤدي إلا دورا ثانوياً بوصفها موسيقى مصاحبة. وبالعكس، اذا كانت الموسيقى هي التي تفصح عن مطامح إلى قيمة مستقلة، فان النص في أدائه الشعري هو الذي ينبغي ان يكون سطحياً وان يكتفي بالتعبير عن عواطف وتمثلات عامة للغاية. كذلك فان الإخراج الشعري للأفكار العميقة لا يتفق مع نص موسيقي جيد أكثر ما يتفق معه وصف الأشياء الخارجية والشعر الوصفي بصفة عامة. ان الليدات (*)، والأشعار الاوبرالية، ونصوص الاوراتوريو(**)، الخ، يجوز ان تكون، من وجهة تانظر الشعري الخالصة، هزيلة ضامرة وعلى قدر من الإسفاف؛ فكيما تبقى للموسيقار حرية الحركة كاملة، يتوجب على الشاعر ان لا يسعى إلى التحليق لانتزاع إعجاب الناس.
ومن هذا المنظور فان الايطاليين، ومنهم على سبيل المثال ميتاساتزيو(***)، قد اظهروا براعة كبيرة في ها المضمار، بينما أشعار شيلر(****)، التي لم تنظر لهذا الغرض، تكاد لا تصلح للتلحين الموسيقي. وكلما فرضت الموسيقى نفسها وسحرت الألباب برفعة مستواها الفني، تضاءلت قدرة سامعها على فهم النص، بل انعدمت انعداماً تاماً في بعض الاحيان، وعلى الأخص متى ما كان النص ألمانياً أو منطوقاً بالألمانية. وعليه ان تعليق أهمية كبرى على النص يدل على قلة دراية بالحس الموسيقي.
فالجمهور الايطالي، على سبيل المثال، يستغرق في الثرثرة أو لعب الورق أثناء أداء المشاهد الاوبرالية التافهة؛ لكنه ما ان يطرق سمعه لحن جميل أو اي عزف موسيقي مثير حتى يغدو كله آذاناً.
اما نحن الألمان فشاغلنا الأول، على العكس، مصير وخطب الأمراء والأميرات الاوبراليين، مع خدمهم وسادة اصطبلاتهم وندمائهم وجواريهم؛ وما أكثر من لا يزالون حتى في أيامنا هذه يبدون تأسفهم، متى ما بدأ الغناء، على استحواذ مثل هذه السفاسف باهتمامهم، فتراهم يبادرون الثرثرة وتبادل أطراف الحديث على سبيل التعويض والتعزي. كذلك فأن الموسيقى الدينية غالباً مايكون نصها صلاة معروفة من أفعال الإيمان أو تجميعة من بعض فقرات المزامير، بحيث يمكن اعتبار الكلمات محض ذريعة لشروح موسيقية تعزف لذاتها، ولا ترمي إلى رفع قيمة النص، بل لا تقبس منهم سوى جانب المضمون العام ، مثلما يقبس الرسم موضوعات من التاريخ المقدس(*****).


(*) الليدات وواحدتها ليدة: الأغنية الشعبية أو الدينية في البلاد الجرمانية.
(**) الاوراتوريو: كلمة ايطالية الأصل، معزوفة موسيقية تمثيلية، ذات موضوع ديني أو دنيوي، مصحوبة بإنشاد والحان اوركسترا، ولكن بدون تمثيل.
(***) بيترو تراباسي الملقب بميتاستازيو: شاعر ايطالي (1698-1782)، له موشحات وغنائيات وميلودرامات.
(****) فريدريش فون شيلر: كاتب وشاعر ألماني (1759-1805)، له تمثيليات تاريخية وأشعار غنائية. ومسرحيات وسط بين المأساة الإغريقية والدراما الشكسبيرية، وكان لنظرياته في المسرح تأثير على الكتاب الرومانسيين.
(*****) أي من التوراة والأناجيل.




المصدر: فن الموسيقى/ هيغل/ ص 13 – ص 23 / ترجمة جورج طرابيشي/ دار الطليعة – بيروت/ الطبعة الأولى 1980.




2011-07-09

- يرجى الاشارة الى المصدر (الفنون الجميلة) عند الاقتباس والنشر -

محاضرات ذات صلة

صفات الأصوات البشرية وطبقاتها الصوتية

الكندي وآلة العود..
البعد الثلاثي لآلة الحكماء عند الكندي


 
  ©  جميع حقوق النشر محفوظة باسم موقع - " الفنون الجميلة " - 2017